ابن تيمية
66
مجموعة الفتاوى
الْوُجُودِ : هُوَ عَيْنُ الْخَالِقِ وَأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْءٌ آخَرُ ؛ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَرَاتِبُ لِلصِّفَاتِ وَأَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ وَالْإِلَهِيَّةَ : مَرَاتِبُ ذِهْنِيَّةٌ شكوكية . وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ : فَلَيْسَ إلَّا عَيْنُ ذَاتِهِ فَالْمَحْجُوبُونَ يَرَوْنَ الْمَرَاتِبَ والمكاشف مَا تَرَى إلَّا عَيْنُ الْحَقِّ . وَيَحْسَبُونَ - وَيَحْسَبُ كَثِيرٌ بِسَبَبِهِمْ - أَنَّ هَذَا التَّوْحِيدَ : هُوَ تَوْحِيدُ الصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ وَقَالُوا : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ . كَمَا يَحْسَبُ الْمُتَكَلِّمُ الزَّائِغُ أَنَّ تَوْحِيدَهُ - الَّذِي هُوَ نَفْيُ الصِّفَاتِ - هُوَ تَوْحِيدُ الْأَنْبِيَاءِ ؛ وَالصِّدِّيقِينَ ؛ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ ؛ وَلِهَذَا يَقَعُ فِي هَؤُلَاءِ الشِّرْكُ كَثِيراً ؛ حَتَّى يَسْجُدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ؛ كَمَا يَقَعُ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ مِن العُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُبَاحَةِ . فَاقْتَسَمَ الْفَرِيقَانِ : مَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِن الشِّرْكِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ . . . وَهَكَذَا يُوجَدُ كَثِيراً فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْبِهَةِ لِلنَّصَارَى . وَظَهَرَ فِي الْآخَرِينَ مِن الآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَجُحُودِ الْحَقِّ وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ : مَا يُوجَدُ كَثِيراً فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْبِهَةِ لِلْيَهُودِ . هَذَا فِي غَيْرِ الْغَالِيَةِ مِنْهُمْ وَأَمَّا الْغَالِيَةُ مِن الصِّنْفَيْنِ : فَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ وَحَالَهُمْ فَوْقَ مَعْرِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَحَالِهِمْ . كَمَا يَقُولُ التِّلْمِسَانِيُّ : الْقُرْآنُ يُوَصِّلُ إلَى الْجَنَّةِ وَكَلَامُنَا يُوَصِّلُ إلَى اللَّهِ .